الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية / النقد / فاعلية العدم تحليل بنيوي لنص راوية الشاعر ( نزيل الزجاج) || د . فرحان بدري الحربي

فاعلية العدم تحليل بنيوي لنص راوية الشاعر ( نزيل الزجاج) || د . فرحان بدري الحربي

د .  فرحان بدري الحربيد  فرحان بدري 1

 

فاعلية العدم

تحليل بنيوي لنص راوية الشاعر ( نزيل الزجاج)

 

 

النص :

}نزيل الزجاج        (د . راوية الشاعر)      {[1]

هذا الانتماءُ لــ زجاجِكَ

يُقلقُ حباتِ المطرِ

حينَ ينزفُ الغيمُ تخمتَهُ   

هذا الصداعُ المجنونُ

يُزينُ الجبينَ بماءٍ من نارٍ

حينَ يسخنُ الدمعُ

وهو يُعمدُ الرمشَ باعتراف

هذا الوجعُ يقرصُ جلدَ المسافات

يُنبتُ الرعشةَ على الأزقةِ

ينامُ بـــ شهقةِ الورقِ الأصفر

حينَ ينسلخُ عن لحاءِ أمهِ

هذا الصعبُ يهطلُ

والجرارُ تصرخُ بــ عطشِ السارقين

حينَ كانتْ الحكاياتُ سبايا

يرتدينْ وشاحَ الخيبةِ

بــ ملامحٍ مباحة

هذهِ الندوبُ تَقطرُ أحباءها

من ثقوبٍ يلامسُها الملحُ

ولا تشفى

فقد كانَ الغرزُ بــ دبابيسِ النكرانِ

يَخيطُ بــ جانبِ الجرحِ الطليق

أيُ أسراب من الجروحِ تلكَ ؟

حينَ تُحلقُ بــ أجنحةٍ مكسورة

وهي تَلهَمُ الصدقَ صلباً

في هشاشةِ زمنٍ يتكئ على الافتراضِ

هذهِ العقاربُ تُخاصمُ يمينَها

ويسارها مسمار

صَلبَ نفسهُ في رحمِ العدم

أولادُها يشمونَ الرملَ

ليبقى الوجودُ زجاجياً

كالمرايا وهي تثقُ بالمقلوبِ سرَهُ

وتحدقُ بدهشتِنا على الاستمرارِ

في حملِ الحقائبِ

على أكتافِ غيابٍ آخر

لـــ بياضٍ آخر

يُذكرُنا بذنوبٍ لم تطأ

سراديبَنا المخلصةَ للغفرانِ

رِقابنا المتدلية كــ غصنٍ مُثقل

عقولنا المهووسة بـــ تغييرٍ ناعم

لكنَ خشونةَ الصمتِ

ترقدُ في أسرةِ الحناجرِ

تقتلُ بناتِ الأوتارِ

وتفتكُ بصوتِ الفتيةِ

والرملُ نزيلٌ معلقٌ

شاهدٌ بالفواتيرِ

ولا زالَ يرقصُ

بإيقاعٍ قلقٍ وخيطٍ رافضٍ

عندَ خصرِ التوسلِ

حينَ تُزهقُ الأحلامُ

في مسرحٍ لا بابَ لهُ

لا زيت ليلٍ يُريقهُ على نهارِ غرفتيهِ

حينَ تُعدمُ ثيابهُ اللامعةَ

لا شريكَ يُبادلهُ ضحكَ المقاصلِ

لا أحمر يُعرقُ شفةَ الوسائدِ

التي يُعيبُها جفافُ السؤالِ

لا غزو عطرٍ

لا ثمارَ تلعبُ على التلالِ

لا فانوسَ يُدغدغُ ظهرَهُ

بــ اشتهاءِ القصص

لا مطرقة تدكُ شموخَ العزلة

لا أزميل يحفرُ الثوابتَ

ويخدشُ حياءَ الفكرةِ

عجبي

أينَ يُخبئ الرملُ رمادَ المحرقةِ

وكيفَ لا يكونُ للدخانِ

شكلاً يرسمهُ

ولا رائحة لــ انصهارِ النداءاتِ

وكيفَ يَقلِبُ هذا النزيلُ رئتيهِ

بشهيقٍ مُعافى

النقد

في بحث البنيوية الدائب عن العلاقات بين مكونات النص يحاول الناقد البنيوي تفكيك النص في محاولة لاعادة بنائه بطريقة تجعل منه صورة للتكوين الفكري الذي انتج معناه بين لحظة التاسيس وزمن القراءة .

واننا اذ نحاول التعامل مع هذا النص بنيويا فان مقصدنا كشف انواع الروابط الفكر لغوية بين اجزائه ومدى فاعليتها في تكوينه العمومي ليكون المضمون صورةا عن الشكل و الشكل موحٍ بما احتواه من مضمون .

تطبيق النقد

   بني هذا النص على تفاعل  حركتين تؤلفان دينامية ترددية في استنزاف الزمن الذاتي للباث ( ونعني الذات الشاعرة)، ففي حين تشير الحركة الاولى الى تراكم الفعل في مقابل الاستجابة، فان الحركة الاخرى تشير الى تغييب الفعل الذاتي لاجل الانغماس في التماهي من اجل كسب الاتي في الزمن الافتراضي ( الشعري) .

   تبدأ الحركة الاولى بنفتاح النص على الواقع من خلال اسم الاشارة في جملة (هذا الانتماء لزجاجك) فاسم الاشارة (هذا) و (لام) النسبة تؤكدان واقعية الانتماء، لكن دلالة الزجاج على تغييب الواقع الطبيعي وتغيير حقيقة الصورة المرئية تؤدي الى القلق من غياب الحقيقة، اذ ان تراكم  الحدث المتظافر بين الفعل الصادر من الاخر و الاستجابة من الانا الشاعرة تشير الى ان هذه الحركة هي حركة الانتماء الوجودي والاتحاد السافر عن الرغبة في تقصي ملامح الروح بعالمها المدجن في المادة ( الجسد ) .

ونجد ان الافعال الناتجة عن المحركات التاثيرية في هذه الحركة ( نعني الاولى) هي التي تسير باتجاه الحدث المؤسس للحركة التالية في النص (اي الثانية).

وتلك المحركات ( التاثيرية) ماهي إلا مستقبلات تولد الاثر او الفعل ( من الآخر) الذي يستدعي رد الفعل من الانا  الشاعرة، فهذه الحركة (الاولى) تنطلق في مكونها الاساس من الاسماء الاتية : الصداع ، الوجع ، الصعب ، الجراح، الندوب، السراب ) وهي جميعا تنفتح من (الانتماء) ، فبسبب الحاجة الى الانتماء تبدأ الآثار المتولدة بالتداعي فالصداع اثر من اثار دوامة نزف القيم والوجع شكل منه الصاداع المتاتي من الارهاق  في تبني مخرجات القيم المفروضة وهكذا يستمر التداعي.

وكل الآثار تشير الى فعل المعاناة في استدعاء  الاجابة من (الانا) فالإنتماء يكون لـ ( الزجاج) وهو هنا دال سيميائي له مخرجات ثابتة و ومتحولة في الوقت ذاته ، إذ هو : صناعي( بمعنى انه متحول وليس طبيعيا )،و شفاف ( لا يحفظ اسراره)، وقابل للكسر ، ومشوّه للرؤية (او هو ينتج رؤية مشوهة) ؛ وهذا الانتماء الى الزجاج ، وليس الزجاج بحد ذاته ، هو الذي يقلق حبات المطر بسبب مخرجات الزجاج الدالة المذكورة ، لان الارادة تكون مقصورة على لازم من لوازم الزجاج.

وهكذا ياتي ردّ الفعل او الاستجابة من الانا ( الشاعرة) فحين ينزل (ماء الحياة) من غيمة المشاعر يقلق الحجاب ” يُقلقُ حباتِ المطرِ ، حينَ ينزفُ الغيمُ تخمتَهُ ، هذا الصداعُ المجنونُ ، يُزينُ الجبينَ بماءٍ من نارٍ” وتبدأ أعراض التحوّل في جسد الانا ( صداع ،و وجع، و 00 الى اخره ).

اما الحركة الثانية فتبدأ في النص من المقطع : “  هذهِ العقاربُ تُخاصمُ يمينَها  ” و (العقارب) هي المحرك الاول في  هذه الجزئية من الثنائية  العمومية المكوّنة للنص، فهذه الحركة مبنية في الاساس على فعل التزييف والكفر بالحقيقة، بسبب قيامها على الدلالة المتأتية من وجود العقارب، وقد بدأ التزييف بعد ان بدأ الكون يتغير بفعل ” دبابيس النكران ” وهي تشير الى فعل في غير محله اذ انها لاتخيط الجرح بل تغرز اوجاعها بجانبه ، وهو منتج اصلا من ” الندوب التي تقطر أحباءها” وهو ما يعني الولادة غير الطبيعية ، فالندوب تعني جراحات قسرية في جسد الحياة .

وان المنتج المهيمن في النهاية هو الاثر الدلالي للعقارب  فهي الوليد غير الشرعي ،و المتحوّل، الذي يقتل أمّه في الواقع المعرفي ، وهنا يكون بناء لحياة قائمة على التضاد و الفعل غير المتناهٍ  في التأسيس للعدم ، فهي تخاصم يمينها بيسارها ، ويسارها ” مسمار ” للوخز (و الانتحار) في ( الرحم ) الذي يشير الى موطن الولادات ، المتضاد مع العدم . والتضاد هنا ينتج فوضى الارتباك في تاسيس حياة مجهولة ، تعكسها المرايا (وهي منتج من الزجاج ) بما اشرنا اليه من سمات دلالية ، فتبدأ دوامة الرحيل ( اي السفر ) غير المبرر وغير المنضبط بميزان التوظيف اللوني بـ ( الابيض) للغياب و وتنتهي بـ( الاسود ) للعقارب ، في نوع من انواعها .

ولاينفك النص ينتهي الى الاصل الوجودي في الانتماء ،ونعني ( الرمل) ، الذي ولَّدَ الزجاج فأرانا الجسد بكل فتنته ووجعه .

 

جامعة بابل \ العراق 2013

عن Maher Homsi

خطوة بألوان قوس المطر وبياض الثلج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *