الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية / النقد / سيميائية الهزيمة في قصيدة “الفروسية” . . .||د.عبدالرحيم اتخالد

سيميائية الهزيمة في قصيدة “الفروسية” . . .||د.عبدالرحيم اتخالد

د.عبدالرحيم اتخالد

سيميائية الهزيمة في قصيدة “الفروسية

في إطار المغامرة السيميائية، على حد تعبير رولان بارت، تأتي هذه المقالة لتلقي الضوء على الإمكانات الإجرائية والمنهجية المحكمة التي يفتحها هذا العلم، والذي يتيح للناقد تكييفه وتطويره ليكتنه عمق الإبداع الإنساني مهما اختلفت لغاته، وخصوبة اللغة الإنسانية مهما تنوعت نطاقاتها الثقافية والجغرافية وأشكالها التعبيرية والرمزية.

فضمن هذا المشروع العلمي الرحب للسيميائياتبأفقها المنهجي الواعد، وأدواتها الإجرائية الخصبة، وخلفياتها المعرفية المتشعبة، ومجالات اشتغالها المتنوعة، تندرج هذه الدراسة، لكن ضمن أحد فروعها المنهجية الأقل ذيوعا: سيميائية الأشكال الرمزية[1] التي فتح آفاقها النظرية الناقد الفرنسي جان مولينو (Jean Molino).وستنصب على تحليل نص سبعيني من أهم نصوص الشاعر المغربي أحمد المجاطي، يتعلق الأمر بقصيدته ذائعة الصيت: “الفروسية[2].  

قبل الولوج إلى النص لاستنطاق مكنوناته الدلالية وتمظهراته الفنية والجمالية، سنقدم تعريفا موجزا بالإجراءات التحليلية التي اعتمدناها في مقاربته، وهي إجراءات تستقي خلفيتها المنهجية، كما سلفت الإشارة، من سيميائية الأشكال الرمزية، والتي تتوخى دراسة عمل النصوص في علاقتها التداولية بكل من مؤلفيها ومتلقيها، أي برصد خصائصها المحايثة مع الانفتاح على شروط إنتاجها وتلقيها، وذلك وفق خطوات إجرائية تتشكل من ثلاث مستويات تحليلية وهي:

1. المستوى الشعري (Le niveau Poétique): ويضطلع بعملية البحث عن مجموع الإسهامات الثقافية التي عملت عملها في النص.

2. المستوى المادي (Le niveau Matériel): ويتوخى تقديم وصف واف للشكل الذي أنجز فيه النص.

3. المستوى الجمالي(Le niveau Esthétique): ويهدف إلى تحليل النص في علاقته بمنتجه ومتلقيه.[3]

 

1. الموسوعة الثقافية: حفر في الذاكرة والواقع وقلب لدلالاتالوقائع

تتقاطع في قصيدة “الفروسية” ثلاث مرجعيات ثقافية تشكل بوتقة تنامي دلالاتها العميقة وهي: المرجعية الفلكلورية، والمرجعية القرآنية، والمرجعية الرمزية.

1.1. المرجعية الفلكلورية:      

تنسج قصيدة “الفروسية” رؤيتها الدلالية ومعالم معمارها الشكلي من رمزية الفلكلور المغربي متمثلا في لعبة الفروسية، نلمس ذلك من عنوانها: الفروسية”، ومن بنائها المعجمي الحافل بوحدات معجمية تحيل على هذه اللعبة التراثية: (الغبار، الساحة، الخيل، الواحة، الشد والمجدول والكمية، معارف الجواد، الزحام، عروة اللجام، الزغرودة، البارودة، العطر والمرايا والكحل في الجراب، مكبس القرس، فورة اللهيب، الدخان، حوافر الجواد، تسدد المهماز، الحناء، الصهيل، الخبب، القنب المفتول، جعبة بارودة….)، ومن معمارية تشكل مقاطعها التي ينتهي كل منها بما تنتهي به كل جولة من هذه اللعبة؛ أي إطلاق البارود في السماء، كما يظهر في الترسيمة التالية:

* نهاية المقطع I :

         ويستفيق الثلج في أحشاء بارودة

* نهاية المقطع II :

        فتنفث البارودة

        سحائبا من نشوة الغبار في الساحة

* نهاية المقطع III :

       أمسى سرابا سال من جعبة بارودة

       يا نافش الطاووس في ذيل بلا سبيب

 

يتبين لنا مما سبق أنلعبة الفروسية تشكلأحد أهم تجليات الإسهامات الثقافية المحلية العاملة في هذا النص؛ فهذه اللعبة الفلكلورية الاحتفالية المغربية – التي يظهر  فيها “فرسان صوريون” وهم يرتدون زيا تقليديا مبهرجا ويمتطون أحصنتهم وهي في أبهى زينتها منطلقين على ظهورها بأقصى سرعة ليطلقوا في النهاية طلقات بارود تتفرقع في الهواء بشكل استعراضي – تمثل اختزالا ثقافيا لماض تاريخيمرتبط بالبطولات والمعارك الحقيقية في فعل فرجوي كله بهرجة وفرقعات بارود فارغة في الحاضر، أي تحويلا لفروسية وأمجاد الماضي إلى لعبة تباه واستعراض ومحاكاة صورية في الحاضر.

فهذه اللعبة الفلكلورية التراثية الاستعراضية تنسج عمق الرؤية الدلالية الكامنة في النص، حيث إنها تستبطن، بشكل صارخ، كل معالم الكبوة والهزيمة رغم حفولها الظاهري بأجواء ترتبط بالنخوة والبطولة. وهذا ما ينطبق على واقع الهزيمة والانكسار الذي هيمن على المشهد المغربي والعربي في سبعينات القرن المنصرم،ويحاول هذا النص،رغم إغراض الدعاية الرسمية، تعريته والتعبير عنه بمرارة وحساسية مفرطة.

2.1. المرجعية الدينية:

تشيد قصيدة “الفروسية” بعض بؤرها الدلالية عبر الدخول في حوار تناصي مع الخطاب الديني، كما هو الحال في استدعائها لقصة موسى، المذكورة في أكثر من سورة  من القرآن الكريم[4]، ومن ذلك ما جاء في المقطع التالي حيث يقول الشاعر:

 

مُنتظراً ما زِلتُ

            أرقبُ الْعَصا

تفسخُ جِلدَ الحيَّة الرَّقطاءِ

          ألقيتَها على الثَّرى

                          فَلم تَفِضْ

أخشابُها باللَّحمِ والدِّماءِ

منتظراً

تفلتُ من أصابعي الثَّوانْ

ويستَفيضُ البَرصُ الأبلقُ

          في رَجائي[5].

 

تستلهم القصيدة هنا النص القرآني لتشييد صرح دلالي مخالف لما حصل لموسى مع السحرة في بعض سور “طه” و”الأعراف” و”الشعراء”، وهي بذلك تسعى إلى إشاعة أجواء دلالية ورمزية معاكسة توحي بالقنوط واليأس من حدوث التغيير والتحول الذي طال انتظاره من طرف المواطن العربي في السبعينات بدون طائلة.

لم يذكر هذا المقطع الشعري اسم موسى صراحة لكن قصة هذا النبي مع فرعون والسحرة حاضرة فيه بجلاء، فإذا كانت معجزة تحول العصا إلى ثعبان، في القرآن، دليلا على نبوة موسى ومركز الفصل في حسم رهانه مع السحرة الذين أعلنوا إيمانهم أمام فرعون والملأ المحتشد إذ “قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين، قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وألقى السحرة ساجدين” (الأعراف، 115-120)، فإن العصا في النص الشعري لم تتحول وبقيت على حالتها خشبا لا حياة فيه ولا روحا، مما يشي بانعدام لحظة التحول المنتظرة، وزاد من دلالة الشعور بالإحباط واليأس والهزيمة كبؤرة دلالية مكثفة حاضرة فيه بقوة.

ومما يؤكد ذلك أن النص القرآني ذكر في نهاية قصة موسى أن يد هذا الأخير ارتدت إليه بيضاء من غير سوء كما جاء في قوله تعالى: “قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى، قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى، واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى” (طه، الآيات 19-22). بينما نجد أن الأنا الشعري في القصيدة استشرى فيه البرص الأبلق الذي عم أقصى امتدادات أفق رجائه من كثرة انتظاره، بلا جدوى، وقوع فعل “التحول”؛ مما زاد من تأكيد دلالة الانكسار والإحباط إلى أقصى الحدود، مثلما يظهر في قول الشاعر: “ويستفيض البرص الأبلق في رجائي”.

كما نسجل في مقطع آخر من القصيدة تناصا “مستترا” مع النصين الدينيين المسيحي والإسلامي معا، حيث إن لفظة واحدة: “التفاحة”، استدعت حمولة دلالية عميقة لها علاقة بالعهد القديم وبالقرآن الكريم، ومن ذلك ما جاء في سفر التكوين[6] وفي القرآن في قوله تعالى: “فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ.” (الأعراف، آية 22). وقد وظف النص هذه القصة الدينية في المقطع التالي:

 

يا نافِشَ الطَّاوُوسِ فِي ذيلٍ

          بلا سَبِيبْ

كيفَ ارتَمتْ حَوافرُ الجَوادِ

        دونَ أن أرى التُّفاحَهْ

في ضَحكةِ الثُعبانْ[7]

 

إن لفظة “التفاحة” في النص تحيل على الشجرة التي حذر الله آدم وحواء من الأكل منها، ولفظتي “ضحكة الثعبان” تحيل على الصورة التي تجسد فيها الشيطان عند إغرائه لحواء بالأكل من تلك الشجرة المحظورة، و بعدما تم له ذلك انتصب ضاحكا مستهزئا منها ومن آدم[8]. إن دلالة الإغواء والسقوط هنا ما هي إلا تأكيد لدلالة الانتصار الزائف والبهرجة الفارغة التي يشي بها “الفارس” في لعبة الفروسية، علما أنه يستبطن في الحقيقة كل مرارة الانكسار والهزيمة والسكينة والخضوع. نلاحظ، إذن، أن الموسوعة الدينية قد قدمت للشاعر منبعا ثقافيا مهما أغنى المنحى الدلالي لقصيدته.

 

3.1. المرجعية الرمزية:

تعتبر الموسوعة الرمزية من أهم التمثلات التأويلية التي تثري العمل الشعري وتخصبه. يتوزع الكون الرمزي في النص بين عالمين متقابلين: عالم الواقع القائم وتغلب عليه ثلاث بؤر دلالية وهي: الثبات، والانخماد، والانهزام؛ وعالم الواقع المحلوم به وتطغى عليه ثلاث بؤر دلالية مقابلة وهي: التحول، والتوقد، والانتصار. ويمكن توضيح ذلك بتجميع الوحدات اللغوية المحيلة على هذين العالمين الرمزيين المتقابلين في الجدول التالي: 

 

عالم الواقع القائم

عــــالــم الواقع المحلوم به

إوالية الثبات

إوالية التحول

* منتظرا مازلت أرقب العصا (س.42-43)

* منتظراأن تفلت من أصابعي الثوان(س.48-49)          

لم تفض أخشابها باللحم والدماء (س.46-47)          

*لا تملك أن تخوض في الحناء فتسرع الشيب(س.53-54)

* ولا تملك أن تعيدني فتى (س.55)                    

* وقبل أن يهل فجر اللحظة الموعودة (س38)

* بلحظة ينحسر الزمان فيها وراء كان وبعدما يكون (س.20-22)

* تفسخ جلد الحية الرقطاء( س.31).

* تعيدين فتى يمص الخمر من مراضع الدنان(س. 56).

إوالية الانطفاء

إوالية التوقد

* دب الأسى في مكبس القرس (س.29)

* استنامت فورة اللهب لنشوة الصمت…(س.30-31)

* أمسى سرابا سال من جعبته بارودة (س.61-62)

* ويستفيق الدلج في أحشاء بارودة (ٍس.16-17)

* سحائب من نشوة الغبار في الساحة (س.1)

* فتنفت بارودة (س.39)

إوالية الهزيمة

إوالية الانتصار

* يا نافش الطاووس في ذيل بلا سبيب (س.63-64)                        

* حتى الصهيل الميت حتى الخبب الكئيب… أمسى سرابا… (س.57-61)   

* التَّائِهُونَ في مدارِ الوَخْدِ (س.18)                       

وأنت لا تملك أن تسدد المهماز (س.52)                             

* وتنتشي زغرودة (س.14)

* رأيتهم يصاولون النجم، يرقصون (س.23-24)

* الخمر والمرايا والكحل في الجراب (س. 25-26)

* ونكهة الخمر على أسنة الحراب (س.27-28)

                                                                                            

نلاحظ، بعد استعراض خانات القائمة التمثيلية المعروضة في الجدول أعلاه، أن الكون الرمزي في القصيدة ينتظم في تقابلات سيميائية بالغة الإيحاء، حيث تشكل المجموعة الأولى الموجودة على اليمين بؤرا دلالية تتسم بالإيجاب وتحوم حول رمزية الحلم بتنوع تمظهراته الدلالية: التحول والتوقد والانتصار، بينما تنسج المجموعة الثانية المقابلة بؤرا دلالية تتصف بالسلب وتتموقع حول رمزية الواقع باختلاف إبدالاته الدلالية: الثبات والانخماد والهزيمة.

ويمكن القول بأن معمار الدلالة في النص يشكل فضاء عبور نابذ بين هذين الكونيين الرمزيين المتقابلين:

 

عـــــــــالم الواقــــــــع

عــــالــم الحلم

             وضعية الثبـات

             وضعية الانطفاء

             وضعية الهزيمة

          وضعية التحول

           وضعية التوقـد

           وضعية الانتصار

 

يشي منحى تنامي دلالات النص برؤية دلالية تتكرس فيها هيمنة منظومة الكون الرمزي السلبي؛ أي سطوة عالم الواقع المغربي (والعربي) الراهن الحافل بدلالة الهزيمة والانخماد والثبات التي يغيب معها أدنى أفق للتغيير أو القدرة عليه. تشكل، إذن، قراءة الواقع وتمثله وتأويله لدى الشاعر خلفية رمزية ساهمت بفعالية في تشكيل معمارية دلالة القصيدة وتخصيب عقدها الإيحائية.

 

2. الخطاب الشعري: التشكيلات المحايثة لبنية الهزيمة.

بعد هذا نصل إلى المستوى  المادي من التحليل والذي يرمي إلى وصف مختلف التمظهرات الخطابية المحايثة للنصوص المحللة. وسنقف في هذا الصدد عند ثلاثة مكونات نصية في قصيدة “الفروسية”، وهي المكون البلاغي، والمكون النحوي، والمكون الإيقاعي.

      2 .1. المكون البلاغي وتكثيف دلالة الانكسار.         

 تتخصب دلالة القصيدة بشبكة متداخلة من الصور الشعرية، والتي تلتحم بالموضوع الرمزي لتشكل بؤرا إيحائية بالغة الثراء والعمق؛ فالاستعارات والمجازات في القصيدة تتكاثف بشكل لافت، حيث تطل علينا منذ مطلعه مجموعة من الانزياحات الدلالية التي تتحول معها ألفاظ اللغة إلى بوتقة كيميائية تنضح بمعان جديدة لم تكن لها في الأصل، حيث نرى أن نقيع الغبار يتحول إلى رغوة، وأن النجم أضحى وجها يُصفع، والمدى مادة تعلك، والأشباح تُصاغ من خطى الخيل:

 

سَحَائبُ مِن نَشوةِ الغُبارِ

              في السَّاحَهْ

تَصفعُ وجهَ النَّجمِ

             أوْ تصوغُ أشباحَا

                         من خَببٍ بطيءْ

والخَيلُ تعلكُ المَدى

             تدكُّ ألواحَهْ….[9]

 

وتستمر هذه العقد المجازية في نسج معمار الدلالة في كل ثنايا القصيدة، حيث تبدأ الكلمات والعبارات تتعبأ بمعان جديدة: الزغرودة تنتشي وتهل وتضيء (س.10-11)، والدلج يستفيق في أحشاء بارودة (س. 12)والثواني تنفلت من بين الأصابع (س.34)، والدنان تتحول إلى مراضع يمتص منها الخمر (س.39)، والصهيل يموت والسراب يسيل من جعبة البارود(س.40-42) الخ. لتتشكل بذلك معالم مشهد شعري متباين المعالم: يشي بالنخوة والبهرجة لكنه يستبطن في العمق كل مكامن الانكسار والهزيمة، مشهد بالغ الدلالة ترتسم فيه صورة فرسان يتباهون بزمن الفروسية الضائع في زمن الهزيمة الممتد… لقد حوَّل هذا الدفق المجازي المسترسل قصيدة “الفروسية” إلى آلة كيميائية تعيد شحن دوال اللغة بمدلولات جديدة خدمة للرؤية الشعرية المختزنة فيها (تعرية واقع الهزيمة والانكسار التي أضحى يعيشهما الإنسان المغربـي (والعربـي) في العقد السابع والثامن من القرن الماضي)، وتماشيا مع تمثل حداثي متقدم للتصوير الشعري يقوم على بلاغة الكثافة والحلم والتحويل لا على بلاغة البيان والتوضـيح التقليديين.

2.2. المعمار النحوي لدلالة الانكسار والعجز عن الفعل.

تشكل البنية التركيبية مظهرا مهما في نسج المعمار النحوي لدلالة الهزيمة في قصيدة الفروسية، وسنعمل على تتبع النسيج التركيبي لهذه الدلالة في القصيدة من خلال البنيات النحوية التالية: بنية الضمير، والنسق الجملي، وبنية الزمن النحوي.

البنية الإحالية بين سطوة حضور الهزيمة وغياب نشوة الانتصار.

تتضمن القصيدة بنيتين ضميريتين متباينتين هما: بنية الحضور وتتمثل في ضميري المتكلم والمخاطب، وبنية الغياب وتتمثل في ضمير الغائب المذكر الجمعي. وتخلف هاتين البنيتين الإحاليتين إحساسا خفيا بسطوة حضور دلالة الانكسار وغياب القدرة  على الفعل والتغيير.

أ. ضمير الحضور وسطوة استحضار الهزيمة: تكرس القصيدة دلالة الحضور الصارخ للانكسار والهزيمة، بنقلها لتجربة “أنا شعرية” محبطة ومهزوزة في علاقتها التداولية بمخاطب فلكلوري يحمل كل مظاهر البطولة والنخوة إلا أنه في العمق يختزن كل أسباب الكبوة والاندحار.

إن استمرار إطلالة الذات الشاعرة المكلومة بمرارة الهزيمة القومية في السبعينات بضمير المتكلم في كل ثنايا القصيدة، قد ضاعف من وقع استحضار الهزيمة لدى المتلقي، وما يزيد من وقع ذلك هو انتصاب بين الحين والآخر ضمير مخاطب (مهزوم) يحيل على فارس فلكلوري لا يحمل من مضامين الفروسية إلا المظهر. وهذا ما نلمسه في قول الشاعر:

 

وأنتَ لا تملكُ أن تُسدّدَ المِهمازَ

لا تملكُ أنْ تَخُوضَ في الحِنَّاءِ

           فتصرعَ الشَّيبَ

ولا تَملكُ أنْ تُعيدَني

                فتىً يمصُّ الخَمرَ مِن مَراضِعِ الدِّنانْ

حتَّى الصهيلُ المَيْتُ

              حتى الخَببُ الكَئيبْ

والقِّنَّبُ المفتولُ في حِبالِكَ

            المَمْدودَهْ

أمسى سراباً سالَ من جُعبَته

              بارودهْ،

يا نافِشَ الطَّاووسِ في ذَيلٍ

               بلا سَبيبْ[10]

 

ب. ضمير الغائب وكبوة الغياب والعجز: وإلى جانب بنية الحضور وهي الغالبة وظفت القصيدة كذلك بنية إحالية أخرى تتجلى في ضمير الغائب الجمعي الذي يقوي دلالة غياب القدرة على الفعل عند مغاربة وعرب السبعينيات وعجزهم عن العبور من واقع الهزيمة والانكسار إلى واقع النصر والانتشاء المنشود. ويبدو ذلك جليا في الأسطر التالية:

 

التَّائِهُونَ في مدارِ الوَخْدِ

               يحلمونْ

بلحظةٍ ينحسرُ الزمانْ

             فيها وراء كانْ

وبَعدَما يكونْ

رأيتُهُم يصاوِلُونَ النجمَ

           يرقصونْ

(…)

دبَّ الأسى في مَكْبَسِ القَرسِ

استنامتْ فورةُ اللَّهيبْ

لنشوةِ الصَّمتِ. [11]

 

تتضافر بنيتا الحضور والغياب على تقوية دلالة الهزيمة في القصيدة، وذلك من خلال بث الإحساس بسطوة حضور “أنا” شعرية غارقة في استبطان مرارة الهزيمة العربية في سبعينات القرن الماضي، في ارتباط مع مخاطب غارق في البهرجة الفلكلورية، وبغياب كلي لأي فعل ناجز (ضمير الغياب الجمعي) قادر على تغيير هذا الواقع المؤلم، أو تقديم على الأقل أفق مشروع نهضوي يمكن الوثوق به للعبور إلى لحظة الانتشاء بالانتصار المحلوم به  في ثنايا القصيدة.

النسق الجملي وتشكل دلالات وقع الهزيمة.

تتناسق حركية وقع الهزيمة على الذات الشعرية مع تشكيلات معمارية الجمل في القصيدة، مما أغنى دلالاتها وخصب التجربة الشعورية المقدمة فيها.

أ. الجمل الخبرية الإنشائية واستسلام الذات لحصار الواقع: تحضر الجمل الخبرية بكثافة في القصيدة، مع انحصار ملحوظ في استعمال الجمل الإنشائية، اللهم توظيفها في بعض الأسطر الشعرية كما هو الحال مع أسلوب النداء والاستفهام في هذا المقطع:

 

يا نافِشَ الطَّاوُوسِ فِي ذيلٍ

          بلا سَبِيبْ

كيفَ ارتَمتْ حَوافرُ الجَوادِ

        دونَ أن أرى التُّفاحَهْ

في ضَحكةِ الثُعبانْ[12]

 

بالإضافة إلى توظيف أسلوب النداء مع نفس العبارة الندائية التي تتكرر في السطرين الأخيرين من القصيدة: “يا نافِشَ الطَّاوُوسِ فِي ذيلٍ بلا سبيب”.

وتعطي كثافة تناسل الجمل الخبرية في النص وانحصار الجمل الإنشائية إحساسا بترسخ دلالة الهزيمة، وثقل سطوتها على الواقع المحال عليه شعريا، مع فشل صيرورة العبور منه إلى عالم الواقع المحلوم به، وكأن القصيدة باستدعائها لهذا الفيض الهائل من الجمل الخبرية “تخبر” المتلقي براهنية وثقل واقع الهزيمة الرازح على كاهل الفرد المغربي والعربي في سبعينيات القرن الماضي.

ويبدو أن انحصار الجمل الإنشائية يؤشر على الانحصار النسبي للوظيفة الانفعالية مما يوحي بيأس الذات الشعرية واستسلامها، بينما طغيان الجمل الخبرية يؤشر على طغيان الوظيفة المرجعية مما يوحى بترسيخ واقع الهزيمة وتكرسيه.

ب. الجمل الاسمية والفعلية بين دلالة الخمود والحركية المنكسرة: كما تتشيد معمارية النص النحوية من شبه توازن بين تركيبة الجمل الفعلية والاسمية، وكل واحد من هذين الكونين من الجمل يخدم إحدى البؤرتين الرمزيتين اللتين تحكمان القصيدة: الجمل الاسمية الموحية بالثبات والسكون تخدم بؤرة الخمود واليأس من التغيير، أما الجمل الفعلية الموحية بالحركية والتحول فتخدم بؤرة الحلم بالتغيير وتساير خبب لعبة الفروسية. ومن ذلك على سبيل المثال ما جاء في الأسطر الموالية:

 

 وأنتَ لا تملكُ أن تُسدّدَ المِهمازَ

لا تملكُ أنْ تَخُوضَ في الحِنَّاءِ

           فتصرعَ الشَّيبَ

ولا تَملكُ أنْ تُعيدَني

                فتىً يمصُّ الخَمرَ مِن مَراضِعِ الدِّنانْ

حتَّى الصهيلُ المَيْتُ

              حتى الخَببُ الكَئيبْ

والقِّنَّبُ المفتولُ في حِبالِكَ

            المَمْدودَهْ

أمسى سراباً سالَ من جُعبَته

              بارودهْ،

يا نافِشَ الطَّاووسِ في ذَيلٍ

               بلا سَبيبْ[13]

 

ج. بنية الزمن النحوي وفداحة وقع لحظة الهزيمة: توحي القصيدة بثقل اللحظة الراهنة وديمومتها، بسبب هيمنة الزمن المضارع – إضافة إلى طغيان الجمل الخبرية وكثرة الجمل الاسمية – ويوحي هذا التقوقع الزمني في لحظة الديمومة بإحساس عارم بتوقف عقارب الساعة عند لحظة الهزيمة المرة، وعدم قدرة الذات الشعرية على تجاوزها إلى لحظة الانعتاق التي تظل حبيسة زمن الحلم، مثلما يتجلى في الأسطر التالية:

 

مُنتظراً ما زِلتُ

أرقبُ الْعَصا

تفسخُ جِلدَ الحيَّة الرَّقطاءِ

ألقيتَها على الثَّرى

فَلم تَفِضْ

أخشابُها باللَّحمِ والدِّماءِ

منتظراً

تفلتُ من أصابعي الثَّوانْ

ويستَفيضُ البَرصُ الأبلقُ

          في رَجائي[14]

 

يبدو أن راهنية الهزيمة المؤلمة ومرارتها قد تملكتا حواس الذات الشاعرة، مما جعلنا نشعر وكأن الزمن قد توقف في القصيدة، بسبب  طغيان الرتابة والثبات القاتلين، وغياب أدنى أفق واعد للتغيير والخلاص.

3.2. المكون الإيقاعي وفداحة وقع الهزيمة.

يعتبر الإيقاع أبرز مظهر مادي في النصوص الشعرية، سواء كانت عمودية أو حديثة، وسنعمل على مقاربة المظـهـر الإيقاعـي فـي القصـيدة من خلال مكونيه الأساسين: الوزن والقافية المحددين للإيقاع الخارجي، والتكرار والتوازي المحددين للإيقاع الداخلي.

1.3.2. الإيقاع الخارجي وحركية الواقع والحلم.

الوزن وحركية الفروسية المنكسرة.

تستقي القصيدة نسقها الإيقاعي من بنية وزن بحر السريع، إذ تتولد موسيقاها من تناسل تفعيلة “مستفعلن” تتخللها في نهاية كل سطر تفعيلة “مفعولات” ترد في الغالب معلولة ومزحفة (نسبة للعلل والزحاف العروضيين). ويبدو أن سرعة هذا البحر ورتابته انسجما مع البؤرة الدلالية الكامنة في النص: السرعة الإيقاعية كمعادل رمزي لحركية لعبة الفروسية، ورتابتها كمعادل دلالي للانكسار والانهزامية والبهرجة الفارغة التي توحي بها هذه اللعبة الفلكلورية. كما أن انتصاب تفعيلة “مفعولات” غير التامة بعد تشكيلات مسترسلة من تفعيلات مستفعلن في نهاية أغلب الأسطر، يعطي الانطباع بمحدودية حركة الفرسان الصوريين وزيفها وبهيمنة حركة الكبوة والهزيمة النهائية.

إن إيقاع النص يتجاوز كونه وزنا خارجيا، أو نسقــا موسيقــيا منغلقــا فــي قالــب نمطـي جـاهز، إلــى كونــه تشكيــلا دالا محملا بالمعانــي العميقة والإيحـاءات المحوريـة في القصيدة.

القافية: التوزيع الصوتي لتشكيلات الانتشاء والانكسار.

يغتني إيقاع النص بتواتر تشكيلات متنوعة من القوافي على نهاية أسطره،  وهي تحمل معان وإيحاءات متعددة، إلى جانب تدفقها الموسيقي البين. وما ينبغي تسجيله في هذا السياق أنه في المقطع الأول والأخير من النص تنتظم بعض تشكيلات القافية في مواقع متباعدة نسبيا، وكأنها بذلك تمثل(exemplifier)[15] تباعد المسافة الدلالية بين العالمين المتصارعين في هذين المقطعين؛ أي عالم الواقع القائم وعالم الواقع المنشود. بينما تسترسل بكثافة في المقطع الثاني الذي يغلب عليه حضور دلالة العالم الثاني، أي عالم الواقع المنشود:

 

التَّائِهُونَ في مدارِ الوَخْدِ

               يحلمونْ

بلحظةٍ ينحسرُ الزمانْ

             فيها وراء كانْ

وبَعدَما يكونْ

رأيتُهُم يصاوِلُونَ النجمَ

           يرقصونْ[16]

 

ويوحي، هذا التقارب المعجمي والصوتي للقافية في هذه الأسطر، بتضخم عالم الواقع المحلوم به، وكأنه يقحمنا في صيرورة زمنية منفلتة حبلى بالأمل والانتشاء الكاذبين.  ونجد هذا الاكتساح الإيقاعي والدلالي لزمن الحلم، وإن بشكل أخف، أيضا في الأسطر التالية:

 

وتَنْتَشِى زُغـرودهْ

تهلُّ أَو تُضيءْ

                ويستفيقُ الثَّلجُ في أحشاءِ

                                       بارودَهْ

(….)

والعطرُ والمَرايا

           والكُحلُ فِي الجِرابْ

ونكهةُ الخَمرِ على أسنَّةِ

             الحِرابْ

(…)

وقبلَ أن يهلَّ فجرُ اللَّحظة المَوعودَهْ

فتنفُثُ البارودَهْ[17]

 

حيث تتجاور الترددات الصوتية المتشابهة للقافية، للإيحاء بتفجر لحظة الفرح والنشوة المحلوم بهما. لكن تباعدها في باقي جسد القصيدة يجهض هذه اللحظة المنفلتة، ليكرس لحظة الانكسار والإحباط الغالبة.

2.3.2. الإيقاع الداخلي وترددات صدى الهزيمة

بنية التكرار اللفظي: إيقاع الكبوة والانكسار

لا يوظف النص التكرار توظيفا موسيقيا زخرفيا، وإنما يعبئه بحمولات دلالية وإيحائية عميقة؛ فتكرار القصيدة، مثلا، لعبارة “لا تملك” ثلاث مرات في مقطعها الثاني، يعطي الانطباع بانتفاء القدرة على الفعل لدى “الفارس” الفلكلوري في لعبة الفروسية، ويوحي  باكتساح العجز التام للفرد المغربي (والعربي) في سبعينات القرن الماضي وفتور إرادته وهمته:

 

وأنتَ لا تملكُ أن تُسدّدَ المِهمازَ

لا تملكُ أنْ تَخُوضَ في الحِنَّاءِ

           فتصرعَ الشَّيبَ

ولا تَملكُ أنْ تُعيدَني

                فتىً يمصُّ الخَمرَ مِن مَراضِعِ الدِّنانْ[18]

 

يعمل تناسل هذه العبارة في صيغة النفي في هذا المقطع، على تكثيف دلالة العجز لدى الفرد المغربي (والعربي)، ونفي القدرة عنده على إحداث فعل التحول المنشود. وهو تحول مرغوب فيه بشدة من طرف الذات الشعرية التي طال انتظارها له بدون جدوى، وهو ما يوحي به تكرار لفظة “منتظرا” في بداية السطرين التاليين:

 

مُنتظراً ما زِلتُ

            أرقبُ الْعَصا

تفسخُ جِلدَ الحيَّة الرَّقطاءِ

          ألقيتَها على الثَّرى

                          فَلم تَفِضْ

أخشابُها باللَّحمِ والدِّماءِ

منتظراً

تفلتُ من أصابعي الثَّوانْ[19]

 

يوحي تباعد تكرار هذه اللفظة في هذا المقطع، بثقل لحظة انتظار التحول المنشودة وتطاول مداها، وكأن هذا الإحساس الذي يخلفه تكرار هذه الكلمة بهذا التباعد الشكلي، هو تمهيد دلالي لتناسل مقولة العجز عن التغيير في المقطع النهائي من القصيدة. ومما يقوي هذه المقولة تكرار عبارة “يا نافش ذيل الطاووس بلا سبيب” في الأسطر(33 و34) وفي آخر سطرين من النص (63 و64). ويرد تكرار هذه الجملة الإنشائية لتأكيد دلالة البهرجة الفارغة للمنادى عليه؛ أي للفارس “الدون كيشوطي” الفلكلوري، الذي يتسربل ويتصرف بكامل مظاهر النخوة والعظمة مع أنه يستبطن في العمق كل معالم الهزيمة والانكسار.

ويتأكد هذا الواقع الانهزامي بتكرار عبارة “سحائب من رغوة الغبار في الساحة” في السطر الأول من القصيدة، ونفس العبارة تقريبا مع استبدال الرغوة بالنشوة: “… سحائبا من نشوة  الغبار في الساحة” في سطرها التاسع والعشرين. ومعلوم أن هاتين اللفظتين تكرسان معا دلالة الانكسار والخنوع، بما أن “الرغوة” مادة رخوة شديدة التلاشي و“النشوة” إحساس سريع الزوال.

بنية التكرار الصوتي: صوت السكينة والخنوع

يهيمن التكرار الصوتي على القصيدة أكثر من التكرار اللفظي، ويستأثر حرف “السين” بحصة الأسد في ذلك، مثلما يظهر، على سبيل التمثيل لا الحصر، جليا في الأسطر التالية:

 

دب الأسى في مكبس القرس استنامت فورة

                                       اللهيب

أمسى سرابا  سال من جعبة بارودة

يا نافش الطاووس بلاسبيب[20]

 

ويوحي تناسل هذا الحرف الخافت في كل ثنايا القصيدة بالرتابة والتسويف والرخاوة، وهذا ما يستقيم مع أجواء الثبات والانكسار والخنوع الكامنة في بنيتها الدلالية.

بنية التوازي: تقابلات وهم الانتشاء وواقع الانكسار.

وإلى جانب التكرار اعتمدت القصيدة على تشييد معمارية دلالتها على التوازي، فقد نسجت في بعض مقاطعها تقابلات تركيبية ودلالية بالغة الإيحاء، كما هو الشأن في المقطع الموالي:

 

التَّائِهُونَ في مدارِ الوَخْدِ

               يحلمونْ

بلحظةٍ ينحسرُ الزمانْ

             فيها وراء كانْ

وبَعدَما يكونْ[21]

 

حيث يتشكل في السطرين الأخيرين تواز تركيبي ودلالي ما بين بنيتين زمنيتين متقابلتين:

ماض: كان #  مستقبل: يكون

قبلية: وراء # بعديـة: بعد ما .

 هذا التقابل الزمني يجهض حلم اللحظة الراهنة، ويعمق جرح فرسان الهزيمة الذين تحولوا إلى مسوخ فلكلورية في لحظة الانكسار المغربي والعربي في السبعينات، هذه اللحظة المريرة التي يتقابل حولها زمنان متلاشيان: زمن الماضي بما يحمل من دلالة الشموخ والمجد الغايرين، وزمن الحلم غير المتحقق والمنفلت، مما يشعر قارئ القصيدة بانعدام أي أمل في التغيير في المستقبل القريب.

يشكل واقع النكوص العربي وانعدام أدنى أفق لتغييره في القريب المنظور، كنه النسيج الدلالي والرمزي لقصيدة “الفروسية” في تاريخ إنتاجها؛ فهي تستكنف بعمق، كما رأينا، لحظتين شعريتين متنابذتين: لحظة الحلم باسترداد أمجاد الماضي وتحقيق النهضة المنشودة، ولحظة إجهاض هذا الحلم وتقويضه بسبب فداحة واقع الانكسار والهزيمة في سبعينات القرن المنصرم، خصوصا لدى الطليعة الثقافية والسباسية الصاعدة آنذاك.

 

3. قراءة الهزيمة بين كتابة الأزمة وأزمة الكتابة.

يقتضي منا التحليل في هذا المستوىالتداولي من مقاربتنا تجاوز البنية المحايثة للنص والانفتاح على الاستعلاءات (Transcendances)الفنية الكامنة في أصل إنتاجه، والاستعلاءات الجمالية الموجهة لعملية تلقيه[22].وجدير بالذكر أن قراءتنا لنص “الفروسية” جعلته بالضرورة مفتوحا على الاستعلاءات الجمالية والمنهجية القارئية التي وجهت فعل قراءتنا له، ويبقى علينا، فيما يلي، تقصي الاستعلاءات الفنية المؤلفية الكامنة في أصل إنتاجه وكتابته.

 وقد اقتضى منا ذلك البحث في الآراء النقدية المثبتة من طرف مبدع النص، والعمل على تقديم استقراء افتراضي لأفق توقع[23] القراء المحتملين لقصيدته، حسب أفق توقعه للقارئ النموذجي[24] أوالمثالي[25] لنصه.

لقد أرفق أحمد المجاطي قصيدة “الفروسية” ببيان تقديمي لخص فيه بعض المنطلقات الفنية والسياقية التي وجهته في إنتاجها[26]. وبهذا يمكن الزعم إن هذا البيان يعتبر بمثابة برمجة جمالية من طرف المؤلف لكيفية تلقي هذا العمل في إطار ما يعرف عند جيرار جنيت(G. Genette)بالتحاذي النصي(Paratexte). وقد صاغ فيه بواعث وظروف إنتاجه لهذه القصيدة:

 

« في هذه القصيدة اعتراف بالكبوة وإدراك واع للهزيمة، هزيمة الطليعة الثورية المفصولة عن قضيتها بالرعب والإرهاب. »[27] 

 

كما أبان فيه عن أساسيات توظيفه للموضوع الرمزي:

 

«ولقد حاولت أن أصوغ هذا الاعتراف من واقع حي هو الفلكلور المغربي، فلم أجد خيرا من لعبة الفروسية “التبوريد” لأن هزيمة البطل فيها هزيمة باطنية مرتبطة بالأعماق أما ظاهر الأمر فهو بالوهم انتصار وصبوة وبطولة »[28].

 

 إضافة إلى تصريحه بمنطلقات بناءه الفني:

 

« والواقع أن فكرة الفروسية….. قد أمدتني بمضمون خصب وأفق عمق التجربة…. وأمدتني بإطار تكتيكي صببت فيه هذه التجربة: فكانت ثلاثة مقاطع ينتهي كل واحد منهما بما تنتهي به كل جولة من اللعبة نفسها، أي بطلقات عشوائية لا تستحق بطولة ولا تستهدف نصرا»[29].

 

يبدو أن المجاطي قد حدد بوضوح فئة القراء الضمنيين[30] الذين يتوجه إليهم بنصه هذا وهو يتوخى أن تستجيب أجوبة كتابته لأسئلة قراءتهم[31] أو أفق توقعهم، نلمس ذلك في الصيغة التقريرية التأكيدية التي افتتح بها خطابه في مستهل بيانه حين قال: «لا أحد ينكر أن الطليعة الثورية قد فصلت بالرعب والإرهاب….»[32] ، حيث صرح، علانية، بفئة المتلقين الافتراضيين الذين يستهدف بنصه (فئة الطليعة الثورية أوالمُثُقفين التقدميين المغاربة (والعرب) الذي ينتمي إليهم هو شخصيا)؛ ومن ثمة يمكن القول إن قصيدة “الفروسية” ما هي إلا إجابة فنية عن أسئلة سياسية فرضها واقع الهزيمة العربية في سبعينات القرن الماضي. ويمكن إعادة تشكيل أفق توقع هذا العمل، كما يلي:

 

فئة القراء

أفق القراءة

فئة القراء المحافظين.

تخييب: نص هدام.

فئة الطليعة الثورية.

استجابة: نص ثوري.

فئة القراء الحداثيين.

تغيير: نص مؤثر وواعد.

 

وجدير بالذكر أن الفئة القرائية الثالثة هي التي يعكس موقفها الجمالي قيمة هذه القصيدة، لأن منطلقاتها الفنية والنقدية هي التي شكلت الحساسية الشعرية التي ساهمت في تطور الشعر العربي، إبداعا ونقدا، منذ سبعينيات القرن المنصرم؛ أي أن التحقق الفني لهذا العمل – وللمشروع الشعري والنقدي للمجاطي ككل – قد جاء للإجابة عن الأسئلة المواكبة لتبلور مفهوم الحداثة في الشعر العربي الحديث، وإن كان صاحبه يعترف في كتابه النقدي “أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث”[33] بوجود أزمة حداثة في هذا الشعر.


 

الهوامش

 


[1]. Voir J. Molino, «interpréter» dans  l’interprétation des textes (en collaboration), Paris, les éditions de

Minuit, 1989, p.p. 9-52; et J. Molino et J.-M. Martin, «Introduction à l’analyse sémiologique des “Maximes” de La Rochefoucauld »,  dans  La logique du plausible: essais d’épistémologie pratique en sciences humaines(en collaboration), 1987, p.p. 145-219.

[2]. أحمد المجاطي، ديوان “الفروسية”، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، 1987، ص. 25ـ29. (سمي هذا الديوان باسم هذه القصيدة)

[3]. Voir J. Molino et J.-M. Martin, «Introduction à l’analyse sémiologique des “Maximes” de La Rochefoucauld »,  dans  La logique du plausible: essais d’épistémologie pratique en sciences humaines(en collaboration), 1987, p.p. 149-152.

 

[4]. سورة الأعراف، الآيات  107ـ109 و115ـ120، طه، الآيات 17ـ 22 و 68 ـ 70، والشعراء، الآيات 31 ـ 51.  

. الفروسية، ص. 28-29[5]

. نفسه، ص. 28[7]

. نفسه، ص. 25[9]

[10]. نفسه، ص. 29

[11]. نفسه. ص. 27

. نفسه، ص.28[12]

. نفسه ص. 29[13]

[14]. نفسه، ص. 28-29

[15]. VoirN.Goodman,,« Quand y a-t-il art ? » in Esthétique et poétique, textes ruénis et  présentés par G. Genette, Paris, Ed. du Seuil, coll. « Points » (éd), pp. 67-82.

. القصيدة، ص. 27[16]

. نفسه، ص. ص. 26-28[17]

. نفسه، ص. 29[18]

. نفسه، ص. 28-29[19]

[20]. نفسه. ص.28

. ص. 27[21]

[22]. هذين المفهومين صغتهما في أطروحة دكتوراه ناقشتها سنة 2005 بعنوان “العمل الأدبي بين الاستعلاءين الفني والجمالي: المحكي العربي الجديد عند الخراط نموذجا”، تحت أشراف د.ؤشيد بنحدو. وبصدد تطويرهما في كتاب سيصدر لي قريبا. انظر  بخصوص مفهوم الاستعلاء:

Gerard Genette, L’œuvre de L’art : Immanence et transcendance, Paris, Ed. du Seuil, 1994,et « Peut-on

parler d’une critique immanente ? », Poétique 126, Avril 2001.

[23]. Hans-Robert Jauss, Pour une esthétique de la réception , tr. fr. Claude Maillard, préface de Jean

Starobinski, Paris, Gallimard, 1978, pp. 21-80.

[24]. Umberto Eco, Lector in fabula, le rôle du lecteur ou La coopération interprétative dans les textes narratifs, traduit de l’italien par Myriem Bouzaher, Paris : Grasset, Le livre de Poche, 2001, pp. 61-83.

[25].Didier Coste,  « Trois conceptions du lecteur et leur contribution à une théorie du texte littéraire », Poétique. Revue de théorie et d’analyse littéraires, n°43, 1980, p. 357.  

[26]. المشكاة، عدد خاص: أحمد المجاطي شاعرا وإنسانا، ع. 24، 1996، ص. 98.

. نفسه.[27]

. نفسه.[28]

. نفسه.[29]

[30]. ISER Wolfgang, L’acte de lecture. Théorie de l’effet esthétique, tr. fr. Evelyne Sznycer, Bruxelles,

Mardaga, 1985, pp. 60-76.   

[31]. انظر بخصوص “منطق السؤال والجواب” هانس روبرت ياوس، مرجع سابق، ص. 21-80.

. المشكاة، مصدر سابق، ص. 98.[32]

[33]. أحمد المعداوي (المجاطي)، أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث، دار الآفاق الجديدة، البيضاء، 1993

عن Maher Homsi

خطوة بألوان قوس المطر وبياض الثلج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *