الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية / القصة / حمّام الضفّة الغربية . . .|| خيرة جليل

حمّام الضفّة الغربية . . .|| خيرة جليل

خيرة جليل

حمّام الضفّة الغربية

حين تؤدي الحمامات العمومية الشعبية وظائف اخرى غير النظافة…………..
لم اعلم ان الحمامات العمومية المغربية لها مهام اخرى إلى جانب النظافة إلا مؤخرا . هذه المهام تختلف حسب الأحياء التي يقع بها الحمام بالمدينة .لظروف اغلاق الحمام الذي تعودت التردد عليه بسبب إصلاحات التجديد اضطررت أن اذهب إلى حمام أخر بحي شعبي يوجد بأقصى شمال المدينة .هذا الحي الذي يطلق عليه أبنائي اسم الضفة الغربية والذي بمجرد التفكير بالذهاب إليه يشكل تحديا شخصيا ونفسيا في حد ذاته . كان من أول هذه التحديات أن أتخلى عن سيارتي وأستعمل سيارة الأجرة العمومية و أن أحمل معي العتاد الذي لا تتخلى عنه اي امرأة مغربية ذاهبة إلى الحمام بالإحياء الشعبية وهو السطل (الدلو البلاستيكي الحديث ).
أول ما هالني حين وصلت اليه أنه فضاء يوحي بأجواء سنوات الثمانينات ، بزليجه الأرضي باللونين الأبيض والأسود وزليج حائطه بالأزرق والأصفر والأبيض المتآكل والذي يحكي عن عز زمان ولى . بهو فسيح وامرأة شمطاء في استقبال الزبونات بنظرات يتطاير منها الشر والوقاحة . دلفت نحو الداخل ، منظر مزعج من الحقائب والصناديق الخشبية الحائطية المتهالكة .تعمدت أن لا أنظر إلى عيني القيمة على الحمام وأنا ألعن اللحظة التي فكرت فيها أن ارتد هذا المكان.
شتان بين حمام ضفتي الشرقية وحمام الضفة الغربية ! “ملعون ابو من تفكر أن تناقش هذه النساء أو حتى الدخول معهن في حوار ” هكذا كنت أفكر وهكذا اوحت لي الاجواء العامة .أين أنا من حمامي الذي لا أحمل اليه إلا حقيبة ملابسي وتستقبلني سيدة شابة في الباب بالابتسامة العريضة وهي تحمدني على السلامة وتسألني عن أحوالي او سبب غيابي عنهم ؟ حمامي الذي به جميع التجهيزات من أسطل وكراسي بلاستيكية كبيرة ونظيفة وبيئية حسب الطلب . سيدة بشوشة مكلفة بوضع حقائب الزبونات بأماكنها بكل أدب ،ونساء نظافة تطوفن المجال ذهابا وإيابا لتنظيف اي نفاية به والتي نادرا ما يرمى بها ارضا . حمام تم ربطه بشبكة الهاتف وبه صالون للحلاقة والتجميل وبضائع مختلفة تلبي متطلبات الزبونات من ملابس داخلية ومستحضرات التجميل والغسل ….. في أعلى جداره شاشة تلفاز بلازما كبيرة قد تطلب منهن تغير القناة الفضائية به إن اردت . حمام مكون من ثلاث غرف فسيحة ومجهزة بأنابيب الماء الساخن والبارد وبصنابير ذات صبيب مائي مرتفع طول الوقت و تتحكم في كمية مائها بشكل محكم . هدوء يسود المكان رغم كثرة الزبونات ولا واحدة تجرأ على رفع صوتها …كل واحدة تستحم وهي تعيش في عالمها الفكري الخاص دون الاكتراث بما يدور حولها .
أما هنا على مضض تقدمت نحو القيمة على الحمام لأؤدي واجب الاستحمام وأنا اتفادى ما أمكن النظر إلى وجهها الذي أوحى لي انها خبيرة في الخصام والعراك .أعطيتها ورقة مالية من فئة مائة درهم لتأخذ منها اثنى عشرة درهما كواجب للاستحمام وأن تحتفظ لها بعشرة دراهم كعلاوة لتأخذ بالها من حقيبتي .ثم اعتذرت لها عن الدلو الذي اعطني اياه وسألتها أن كانت هناك مساعدة استعين بها وهي ما نطلق عليها اسم “كسالة” .
نظرت إلي بإمعان وابتسمت وقالت لي : سوف لن تحتاجين اليها سأرسل من ينظف لك ظهرك . يظهر أنك لست من هذه المدينة او انك وافدة عليها مؤخرا. انك نزلت ضيفة علينا ألف مرحبا بك .
حينها تنفست الصعداء ورفعت بصري الي وجهها وأجبتها بكل عفوية : ابدا سيدتي إني من بنات المدينة الاصليين لكن لأول مرة آتي لحمامكم هذا .
بدلاً من أن ينتهي هذا الحوار هنا ، سألتني عن اسم عائلتي إن كنت من سكان المدينة الاصليين وعينيها تلمعان من حب الاستطلاع والفضول باد على ملامحها . حينها أدركت أني ورطت نفسي في استجواب بوليسي غير مقصود .فما كان مني إلا أن أجاريها في الاجابة على كل أسئلتها وأنا أبتسم و الإحساس بثقل الخوف والرهبة الذي كان ينتابني يزول بسرعة ليحل مكانه الشعور بالاستئناس والمودة . في عشرة دقائق فقط اصبحت لي هوية في هذا الحمام وأصبح مرحبا بي وكأني أعرف هذه النساء من زمان . خصوصا انهن تأثرن كثيرا حين علمن أسم عائلتي لأنهن يعرفن تاريخها العريق بالمدينة و حسب حد قول إحداهن كانوا رجال أيام العز.
غادرت مكاني في اتجاه غرفة السخونة ،أصوات النساء المرتفعة تختلط بصراخ الاطفال فلا تكاد تفهم ما يقال .كلما تقدمت إلا وأحسست أني أقتحم عالما خاصا ومختلفا عما أعرف. جميع التمثلات للاشياء في ذهني أصبحت نسبية وأحسست أني أعود إلى فترة الطفولة بجميع صورها .أحسست وكأن نفقا في الزمان فتح لي لأعود إلى مرحلة السبعينات والثمانينات بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .
في أخر غرفة سألت سيدة إن كان مسموحا لي أن أجلس قربها ، فانفجرت ضاحكة لتخبرني أنه مادام المكان فارغا فلي كامل الحرية والحق أن أجلس حيث أشاء . أخذت مكاني بعد ان وضعت قربي كل ما أحتاج اليه من ماء كاف للنظافة وبدأت استرق السمع للحوارات التي تدور بين النساء . إنه عالم فريد ومن من نوع خاص ، الجميع يتكلم والكل يسأل والكل يجيب والكل يسمع الكل بامتياز.هنا بدأت الحكايات والروايات والدروس الدينية للموعظة والإرشاد والتحسيس والتوعية… والنوادر والغرائب وحكاية ألف ليلة وليلة .ودروس في علم الاقتصاد وفي النفاق الاجتماعي وفي النصب والاحتيال وفي السحر والشعوذة…… . هنا المكان الجامع المانع لكل شيء واللاشيء في نفس الوقت . هنا حيث الكل يتحدث فيه عن معاناته اليومية مع الزوج أو الابن أو مرض مزمن مثل الروماتيزم والسكري بدون مركب نقص . هنا يجد الطب البديل والشعوذة وعلم النفس مكانهم بامتياز وبدون مقابل .
جلست وأنا أحاول قدر الإمكان أن انصت دون أن أدخل في حوار مع أحد ، وأنا أظن أن ولا واحدة من النساء هنا تعرفني أو أعرفها .لكن المفاجأة حين تقدمت نحو سيدة في نهاية الخمسينات لتعرض علي خدماتها.اعتذرت بحياء وشكرتها على لطفها ،لكنها بدل من أن تنصرف أخذت مكانها قربي وسلمت علي وكلمتني وكأنها تعرفني منذ سنين .مباشرة سألتني عن أحوال ابنائي وزوجي .تعجبت كيف تكون بهذه الجرأة ! لكن سرعان ما استدركت هي ذلك لتخبرني أنها لمدة أشهر وهي تتمنى أن تلتقي بي لتشكرني على مساعدتها يوما ما بالمستشفى الاقليمي .لتخبرني انها هي السيدة التي ساعدتها حين كان والدي بالعناية المركزة .فانطلقت تحدث النساء اللواتي كننا بقربي مما أحرجني كثيرا .اخبرتهن أنه في عز أزمتي ساعدتها على إحضار دكتور من معارفي لفحص أبنتها وأني أمرت أخي وزوجي بان يرافقها في مرافق المستشفى لتعمل جل الفحوصات بالأشعة والتحليلات لابنتها التي كانت في وضع صحي مزري . وأن زوجي هو من دفع لها ثمن أجرة سيارة الاسعاف التي أخذتها هي وابنتها وزوجها إلى مدينة الدار البيضاء وان أخي من كلم لها بروفسورا صديقه و الطاقم الطبي الذي استقبلها بمستشفى ابن رشد .وأنه ان كانت اليوم ابنتها تنعم بالحياة مع ابنائها بعد عملية استئصال الطحال فالفضل يعود إلى مساعدتنا لها ، لتخبرني انها عادت للمستشفى فيما بعد لتشكرني فأخبروها بأن والدي قد فارق الحياة وتعذر عليها لقائي فيما بعد . لم أتمالك نفسي بعد أن نبشت في الماضي الحزين لي فوجدت دموعي تنساب على خذي وأنا أحاول ان لا أنظر إلى السيدة واكتفيت بأن أجيبها أن ذلك كان واجبا علينا . انتبهت فوجدت سربا من النساء حولي يواسينني ويخبرنني أنه ليس عيبا ان أبكي حزنا على فراق ابي ،لأنه من سنة الحياة الموت ومن الطبيعي أن نبكي أحبتنا . وجدتهن يعرضن علي الحناء ويقلن لي انه ليس من شيم المسلم الحزن وان الحنة تطرد الاحزان من الروح وأن والدي سيكون فرحا بقبره حين يعلم اني تقبلت موته وترحمت عليه ….. هكذا وجدت نفسي قد تورطت من جديد في فيلم درامي كنت أنا بطلته بامتياز دون أن أرغب في ذلك .
لم تنته قصتي هذه حتى دخلت امرأة ثانية . أتت مباشرة لتخبرني أن القيمة على الحمام أمرتها بتقديم خدماتها لي وأنها بمجرد ما رأتني تعرفت علي وحدثتهن عني .سألت نفسي يا رب ما هذا المكتوب الذي كتبته علي في هذا اليوم السعيد ، هل سأكون مجبرة لأدخل في حوار أخر مع هذه السيدة وهذا السرب من النساء قربي يتابعن حوارنا باهتمام ؟ شكرتها واستسلمت لها دون أن أنطق بأي كلمة .وحينها استرسلت السيدة في حديثها مما جعلني استنتج انها تعرف كل النساء اللواتي كنن قربي . سألتني عن كل أفراد أسرتي كل واحد باسمه ، ولما استغربت ضحكت وأردفت قائلة إنها بمثابة عمتي . قلت أنعم وأكرم ، أتيت لأستحم فوجدت عمة كم أنا محظوظة هذا اليوم ! لم أعلق على الامر وتفاديت ان انجرف مع حديثها ، إنما اكتفيت بالنظر اليها لتنفجر هي ضاحكة وتخبرني انه لي نفس نظرات والدي .ابتسمت ثانية ولم أعلق على الامر لأني ظننت أنه ممكن أن تكون احدى عشيقات الوالد الله يرحمه . لكن ثبت أن بعض الظن إثم .قهقهت بصوت مرتفع لتخبرني أن أخاها الاكبر كان نزيل الخيرية المجاورة لبيت عائلة والدتي التي كانت تستقبله بالبيت مع ابنائها .فحدثني كيف كان البيت مفتوحا لكل اصدقاء العائلة للأكل والشرب دون تمييز عنصري أو تحفظ خصوصا ان البيت لم يكن به الا الذكور. فعلى حد تعبيرها كان بيت العائلة “زاوية دينية ” بابها مفتوح في وجه الطلبة نزلاء دار الطالب الخيرية للأكل والشرب . كانوا يعتبرون الجدة والدتهم بامتياز يقدمون لها المساعدة وكانت هي تحتفل معهم بجل الاعياد الدينية لان أغلبهم كانوا ايتام . كما كانت افراد عائلات بعض النزلاء المعوزين ينزلون ضيوفا على عائلة والدتي عندما تأتيون لزيارة ابنائهم خصوصا ان معظمهم كانوا من سكان البوادي أو المناطق الجبلية البعيدة .
وجدت إحدى النساء من حولي تعلق على الامر وتقول بالحرف : اين تلك الأسر اليوم. لم يبق إلا بشر يشبه موسى الحلاقة للحجامة هههه”
في هذه اللحظة أثار انتباهي سيدة شابة تفرك جسم طفلها الصغير والنحيل “بالكيس ” وصراخه ينطلق والصدى يردده الحمام كصوت جدي في الجبل ، والمضحك في الأمر أنها تستمر في غسله وهي تقول له و تؤكد انها لن تتوقف فقد دفعت اثنى عشرة درهما ولا يجب أن تعود به للبيت متسخا هو وأخته وكأنه هو يدرك ما تقوله أو ماذا تعني النقود اصلا . العملية حسابية اذن ، يجب أن يعوم الثلاثة بالإثنى عشرة درهما بمعدل أربعة دراهم للواحد هذا درس جديد في الاقتصاد الأسري . وهنا تتدخل عجوز بجانبها لتنهرها للكف عن تعذيب الطفل وتنتزعه من بين يديها قائلة بتهكم : كان من الافضل أن تحضري زوجك معك ليعوم إن تأسفت عن المبلغ …ليضحك الجميع دون خلفية أو ضغينة ،فتجيبها الام وهي تضحك : وهل هو محظوظ إلى هذه الدرجة أن يدفع نفس المبلغ ويستحم مع النساء …..
الكل يضحك والكل يتحدث والكل ينصت والكل يجيب والكل ينصح للكل وأنا أحس ان دماغي سيشل من كثرة الضوضاء . فتتدخل إحدى النساء لتخبرهن عن فضائح نشرت في الانترنيت عن رجال يتجسسون على حمامات نسائية بمدينة الدار البيضاء وأخرى تحدثهن عن ضبط الشرطة لشخص تبث كاميرة خفية بإحكام بمراحيض النساء بمحطة طرقية بمدينة ما . أما أخرى فتحدثهن عن بائع للملابس الداخلية للنساء ضبط وهو يتجسس على الزبونات ويسجل لهن أشرطة ليبتزهن بها … وأخرى تحدثهن عن ظاهرة جديد للسرقة تسمى ” ألسماوي ” حيث يتقن السارق التلاعب اللفظي بعقل المنصوب عليها حتى تصبح لعبة في يده تسلمه جميع مجوهراتها وأموالها دون ادنى مقاومة…..الاحاديث مسترسلة والنصائح متبادلة بكل عفوية .كل واحدة لديها قصة مستوحاة من عالمها الخاص أو مما التقطته اذنها من الشارع او الاسواق الشعبية .كل واحدة تتفنن في أن تكون قصتها الاغرب والأكثر تشويقا لتجعل محيطها ينصت باهتمام. أما العجوز فشكرت الله لأنه منحها فرصة العيش حتى شهدت هذا العالم ، حيث هي قادرة على أن تكلم حفيدها في ايطاليا وتراه يطبخ بمطبخه إلى جانب زوجته عبر ما سمته هي بصندوق العجب كما تضيف ا”الحمد لله ان الله انتقم لنا من الرجال حتى اصبحوا يغسلون الصحون لزوجاتهم …”.لتطلق قهقهة عالية وتضيف قائلة “…كانت الايام ايامهم ،في زماننا كننا لا نأكل حتى يشبع الرجل ولا ننام حتى ينام الكل ….الحمد لله رغم ان هذا الزمان قلت فيه البركة لكن الكل تمتع بكل شيء من أكل وشرب ولباس …وعجائب اخرى …الحمد لله على كل هذا ..” الكل يضحك .
لم أنتبه إلا حين ابتسمت في وجهي السيدة وهي تقول لي : هيا بالصحة والعافية …
ودعت سرب النساء وخرجت لأرتدي ملابسي.استقبلتني قيمة الحمام بكأس شاي من تحضيرها وأخبرتني أن مساعدتها ستخرج لتطلب لي سيارة الأجرة . اديت ما بذمتي للسيدة التي ساعدتني وخرجت وأنا غير نادمة على اني جئت إلى هذا الحمام .هذا العالم الفريد من نوعه أو التحفة النادرة حيث اكتشفت عالما يختلف على العالم الذي تعودت العيش فيه .أحسست انه لازال هناك اشخاص لا تغريهم الاموال في مد يد المساعدة وأشخاص اخرون يعيشون بوثيرتهم الخاصة لا يهمهم لا عالم العولمة ولا الانترنيت ولا الحواسيب .بل هم أصلا لا يرغبون في التعامل معها.
لأول مرة بعد وفاة والدي أحسست أني أفرغت الحزن العميق الذي كان يسكن خوالجي لأني استطعت أن أبكي دون أن أحس بخجل .
ولأول مرة أكتشف ان الحمامات الشعبية هي بمثابة مدرسة من نوع خاص .عالم تتعلم فيه المرأة الكثير من الاشياء ، قد تكون هذه الأشياء جيدة أو سيئة …إيجابية أو سلبية ، المهم أنها فضاء للتلقين والاكتشاف والإفراغ النفسي والإشباع العاطفي للزبونات .فضاء لازال فيه التضامن والتكافل بين الزبونات لتبادل الخدمات فيما بينهن مجانا .دخوله بمثابة زيارة دكتور نفسي للبوح عما يؤلمهن بدون حرج .لكن الدكتور النفسي ملزم بعامل الوقت وعدد الزبائن والفاتورة تكون باهظة الثمن ،أما هنا فالزبونة مطالبة بدفع ثمن استحمامها فقط وتستفيد من جميع الخدمات الاخرى مجانا .

عن Maher Homsi

خطوة بألوان قوس المطر وبياض الثلج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *