الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية / النقد / الجرأة و المخاتلة في المجموعة القصصية “رعشات” لسناء بلحور . .|| نجية جنة

الجرأة و المخاتلة في المجموعة القصصية “رعشات” لسناء بلحور . .|| نجية جنة

نجية جنةنجية جنة 1

الجرأة و المخاتلة في المجموعة القصصية “رعشات” لسناء بلحور


        رعشات مجموعة قصصية قصيرة جدا للشاعرة والقاصة سناء بلحور، صدرت عن دار التنوخي سنة 2012 ، تضم 65 قصة قصيرة جدا ، ولكنها عميقة جدا ومكثفة جريئة و مخاتلة ، لدرجة أنها تجسد تصورات الكاتبة وإيحاءاتها وعمق إحساسها الذي يسافر بالمتلقي إلى أبعد الحدود ، فيلامس المتخيل و الواقع في نفس الآن .
سناء بلحور تنتمي إلى الجيل الجديد الذي اتخذ القصة القصيرة جدا للتعبير عن الحركة الاجتماعية يقول عبد الله العروي في كتابه الايديولوجيا المعاصرة ” الأقصوصة هي الشكل الأدبي المطابق لمجتمعنا المشتت ، والذي هو دون وعي جماعي ، وليس مصادفة إذا كانت الاقصوصة تفرض نفسها كشكل تعبيري على الآداب الناشئة ، وكثيرا ما تقدم بذلك أسباب اقتصادية ، تأثير الصحافة ، وضع الكاتب غير المستقر ، وضعف النشر لتفسير سيطرة هذا الشكل ، إلا أن السبب أعمق من ذلك بكثير، إنه موجود في الحركة الاجتماعية ذاتها “1
فسناء شاعرة قبل أن تكون قاصة الشيء الذي جعل جل قصصها تنبثق من ذاتها الوالهة ومن أحاسيسها الجياشة فتنسجم لتعطينا شكلا تعبيريا قلما نصادفه لدى المرأة القاصة، ” فحينما نود مقاربة علاقة القصة القصيرة جدا بالشعر فإننا نقصد به قصيدة النثر تلك التي حرصت على توظيف النسق الحكائي أو الحدث القصصي ، وقد نجد تداخل الشعري بالسردي في المتن القصصي القصير جدا عند المبدعين الذين نزحوا من الشعر للكتابة في هذا النوع السردي ، ولم يستطيعوا التخلص من إيحائية اللغة وشعريتها ” 2 لذلك فهي تنسج نصوصها بكل جرأة ، تعبر بكل حرية عن الأحاسيس و المشاعر ، بل وحتى عن الحركات والسكنات ، إنه عالم فريد يقودنا إلى أعماق كل أنثى وما يخالجها اتجاه الذكر من عشق وقلق وانكسار وخنوع بل وحرج واضطراب أيضا ، ومن خلالها تعبر عن الأحاسيس التي تمس كيانها وكبرياءها كأنثى
        فضاء رعشات لدى سناء بلحور فضاء استثنائي بثيمات استثنائية ملتها عليها الضرورة النفسية ، إنه قلق الأنثى وسعيها للتطهير الروحي المراد من البوح ، سناء تصور الوضع الهامشي للمرأة ، تخترق عوالم الذكورة كتحدي صارخ ، فهي لا تستسلم كليا بل تتقمص الشخصية القوية التي تكتفي بالتفرج عبر ضمير الغائب ومن خلال لغة واضحة وأسلوب شعري ولكن له خصوصية مميزة أو لنقول جديدة ، فهي تتحدى العالم الذكوري وتفضح سلوكياته وترفض سلطته اتجاه الأنثى ، وفي نصوص أخرى تتصالح معه بل وتستسلم له .
      في قصتها فراشات ص 10 تقول ” أمس نامت في جسده…استيقظت بآلام مبرحة ، وكأنها حبلى بماء عينيه… بعد أيام تكاثرت الشرانق حولها ، وخرجت منها فراشات بألوان الحب …تتكلم لغة الحب ، وتبسبس س .س.س… أسلوب شعري رومنسي ، ووشوشة اعتراف .
     في قصتها نجمة ص 13 تقول ” نجمة تنام في قلبه ، ولا يراها أحد سواه…يبتسم لها كل يوم…ويمنيها حبا…ذات صباح سافر …و من شدة خوفها طارت النجمة في سمائه حيث حياتها …ارتفعت وأخذت ترقبه من بعيد قريب بعينين دامعتين” فرغم البعاد والجفاء تظل هذه الأنثى ترقب وتنتظر وتعشق .
    تسرد قصتها قيدان ص 19 صراع المرأة بين واجباتها كأم وإيمانها بالحرية والانعتاق من قيد الرجل ” تود الهرب…اليوم ستقرر…سترحل…ستختار … التفتت يمنة ويسرة ، فبدا لها قلبان بريئان يرمقانها ببسمات حنون … تخلت عن الفكرة ، وأعادت القيدين إلى معصمها.”
ولكن كتابات سناء تنتمي إلى الكتابات النسائية الحديثة ترفض التبعية للرجل في كل مناحي الحياة ، تنشد الاستقلالية والتحرر ، لقد عكست التطورات التي عرفتها الحركات النسائية ، فسناء تكتب عن موقفها من الرجل ، وعن الواقع الذي يرفض الحرية والحب ، توظف إسقاطات تراثية كقناع لإبراز رؤيتها ، تفضح خوف الرجل وتعنته من الإفصاح عن مشاعره ، في قصصها تعلن الأنثى عن نفسها وتبرز رغباتها ،وترفض الهيمنة والتبعية للرجل .فالذات الأنثوية واعية بمكر الرجل رغم تبعيتها له في بعض الأحيان .
     في قصتها متهور تقول ” مذ عرفته وهو يتحدث عن نفسه …يصفها بكامل الأهمية .
قللت يوما من شأنه ، فسمعت أناه تصرخ بحماقة …زادت يوما من شأنه ، فرأت أناه تعلو باتجاه ارتفاع أحدب…وضعته بين أناه الحمقاء وأناه المنتفخة …فصار متهورا.” فعلاقة المرأة بالرجل فيها علاقة تصارع ، وتنافس منذ الأزل رغم التآلف والتصالح والعشق المتبادل.
   في قصة ” أزرق لازوردي” ص 25 تقول ” صفعها أزرق لازوردي ، فسقطت نظارته وتهشم قلبها الصغير . هوت عليه كي تلملم جرحا جديدا نما كروما عتيقة . عرفت يومها أنه خرج من بحر عميق ، لا ينبس بكلم ، وجسده كله كلمات” ياااااااااااااااه كم تحمل هذه القصة من معاني ومن أفكار كثيفة وصورها ذات دلالة رائعة ، ما يمكن للقارئ الذكي إلا وأن يغرم برعشات سناء بلحور ، فالكتابة عندها رعشات مخاتلة ، فالغربة زادتها إحساسا مرهفا “وليس مصادفة في شيء ، أن تأتي كتابة المجموعة معانقة لخواء الروح ووحشة الاغتراب و الهامشية وتسليط الضوء على عالم جياش بكل بذاءاته وقهر فجائعه الثقيلة التي لا يملك المبدع حيالها إلا الدعابة السوداء”3
تعود في قصة غدر للوم الذكر ولمعاناة الأنثى تقول ” أهداها باقة من ورود مختلفة …كل وردة لها عطر خاص … كل صباح تشم واحدة منها…تمتص أريجها حتى يصل إلى العمق ، وتسبح في أحواض حبه… بعد أيام قلاقل ، وجدت ميتة في حوض من أحواضه …المسمومة ” نلاحظ الفراغات التي تتركها القاصة ، ومن خلالها تأخذ القصة قوة إيحائها ورمزياتها المتعددة ، فسناء شاعرة بامتياز والقصة القصيرة تلتقي مع الشعر في كثافتها وغموضها ودلالاتها الانزياحية وايقاعاتها الموسيقية ولكن ” كما هو الحال بالنسبة للشعر ، تذهب القصة القصيرة جدا إلى أقصى الحدود ، لكن يجب أن لا تبتعد عن طابعها السردي ، أي سرد أحداث ووقائع لا يمكن للقصيدة أن تسردها” 4 فالأستاذة سناء بلحور تختار الإيهام و التلغيز وتترك القارئ يشاركها في فك لغز القصة فتقنيتها جاءت جديدة كسرت من خلالها القوالب العتيقة للكتابة في قصتها زورق وماء” ص 59 تقول ” شب حريق في قلب زورق صغير …تحطم ونزل في قعر الماء …سألوا الماء: لم تنقذه ؟…أو لم يكن صديقك المتهادي؟ أجاب قائلا : أحتاج اليوم إلى بخور أتعطر به وأغير رائحتي ”
وتقول في قصتها ماء وهواء ص 17 ” التقى هواء بماء …تحول الماء هواء وطار … تحول الهواء ماء فغرق . واستحال البحر لؤلؤا منثورا يترنح في الأفق”
     عالجت الأستاذة عدة مواضيع اجتماعية في مجموعتها القصصية ، تلاعبت بالكلمات من خلال لعبة الإضمار للتعبير الوجيز عن أوضاع حياتية متوثرة، ولكني ركزت هنا على نظرتها لعلاقة المرأة بالرجل ، أثارتني شخصياتها بكل تعقيداتها وكل رموزها ، فهي تعتمد على التخييل لترصد أدق تفاصيل الواقع وتترك بياضات لتفسح المجال للتأويل ، كما أنها توظف ضمير الغائب وتطرح من خلاله كثير من التساؤلات المسكوت عنها وكثير من الطابوهات التي تعبر عنها الكاتبة بتخاتل ” ما خصوصيات الكتابة القصصية بصيغة المؤنت ؟أتمثل هذه التجربة تحولا في القصة المغربية كتابة وتخييلا فنيا جماليا؟ هل يمكن للتلقي القصصي أن يتعامل معها من المنظور الفن الجمالي الصرف دون التصنيفات الثقافية : ذكوري- أنثوي، أم هي نصوص قصصية خارج العرف التصنيفي من حيث هي قصة ؟ هل تكتب النساء اليوم كما كتبن بالأمس؟ إذا كان الجواب سلبا هل معنى ذلك بروز تغيير ثقافي في وضعية النساء إلى درجة الحاجة إلى نظرة خاصة للتجربة القصصية النسائية “5 .

1604469_1002422716511962_284111327_n

الهوامش:
المجموعة القصصية ” رعشات” لسناء بلحور دار التنوخي سنة 2012 ص :10-13-17-19-25-59
مجلة قاف صاد عدد 3 سنة 2 2006 ص 17 _1
2_ القصة القصيرة جدا في المغرب تصورات ومقاربات ، دراسة لسعاد مسكين ص 21
_تحولات القصة الحديثة بالمغرب منشورات المختبرات ص 77 3
4_ القصة القصيرة جدا بالمغرب تصورات ومقاربات ، دراسة لسعاد مسكين ص 22
5_ تحولات القصة الحديثة بالمغرب ، منشورات المختبرات سنة 2010 ص 92

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *